أحمد عبد الباقي

288

سامرا

ومما له علاقة بكثرة الانفاق في عهد المتوكل على اللّه اهتمامه بالعمران وولعه ببناء القصور . فقد بنى ما ينوف على خمسة عشر قصرا انفق في بنائها مبالغ طائلة . وقد احدث المتوكل على اللّه بناء لم يكن الناس يعرفونه ، وهو المعروف بالحيري نسبة إلى مدينة الحيرة ، فبنى الناس جميعا بسامرا هذا البناء . وقد تكلمنا عن الماحوزة شمالي سامرا أعظم اعماله العمرانية وكان يسميها المتوكلية . وكنا أفردنا لها فصلا خاصا بعمرانها . وكان المتوكل على اللّه قد حاول أكثر من مرة ، قبل ان يؤسس مدينة المتوكلية ، ان ينتقل عن سامرا إلى مدينة أخرى . ولا ندري ما إذا كان بدافع الرغبة في التحرر من نفوذ القواد الأتراك المعارضين له ، أو طلبا لجو يلائم صحته ، أو انه كان يريد أن تكون عاصمة تنسب اليه . ولعل ما يؤيد السبب الأخير بناؤه مدينة المتوكلية وانتقاله ودواوين الدولة إليها . وكان قبل ذلك أراد الانتقال إلى أصبهان بعد ان سمع عن طيب هوائها ، فبعث جماعة من المهندسين لتخطيط القصور له ولخواص أصحابه ، الا ان أهلها فزعوا إلى وصيف القائد وسألوه التلطف في فسخ عزمه فاقنعه بأنها لا تتسع له ، وإذا ما سكنها ضاق الأمر على الناس في الميرة ، مما اثناه عن عزمه ، فخرج إلى دمشق لأنه قيل له ان هواءها مقارب لهواء أصبهان « 28 » . عزم المتوكل على اللّه على المقام بدمشق لما وصف له من فضائلها وطيبها ، فأمر بالبناء فيها ونقل الدواوين إليها ، الا انه تركها بعد أقام فيها شهرين وبضعة أيام فعاد إلى سامرا محتجا ببرد هواء دمشق

--> ( 28 ) الاعلاق النفيسة / 156 .